عبد الوهاب الشعراني

24

تنبيه المغترين

هذا الزمان أكل الحرام والشبهات حتى غرقوا في شهوة بطونهم وفروجهم واتخذوا علمهم شبكة يصطادون بها الدنيا . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : لولا نقص دخل على أهل القرآن والحديث لكانوا أخيار الناس ولكنهم اتخذوا علمهم حرفة ومعاشا ، ولذلك هانوا في ملكوت السماوات والأرض وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول من عقل العاقل أن لا يطلب زيادة العلم إلا إذا عمل بكل ما علم فيتعلم حينئذ العلم كي يعمل به ، وكان الشعبي رحمه اللّه تعالى يقول : اطلبوا العلم وأنتم تبكون فإنه كله حجة عليكم عند ربكم ، قال : ولما ترك بشر الحافي رحمه اللّه تعالى الجلوس لإملاء الحديث قالوا له : ماذا تقول لربك يوم القيامة ؟ فقال : أقول يا رب إنك أمرتني فيه بالإخلاص ولم أجد عند نفسي إخلاصا . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل فلا تعلموه فإن من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة ، وكان يقول وإذا رأيتموه يخلط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع فكفوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لو أن عبدا علم العلم كله وعبد اللّه حتى صار كهذه السارية أو الشن البالي ثم إنه لم يفتش ولم يدخل في جوفه أحلال هو أم حرام ما تقبل اللّه منه عبادة ، وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : واللّه لقد أدركنا أقواما كانوا لا يعلمون أحدا العلم حتى يروضوا نفسه سنين كثيرة ويظهر لهم صلاح نيته ، وكان عبد الرحمن بن القاسم رحمه اللّه تعالى يقوم خدمت الإمام مالكا رضي اللّه عنه عشرين سنة فكان منها ثمانية عشر في تعليم الأدب وسنتان منها في تعليم العلم ، فياليتني جعلت المدة كلها في تعليم الأدب ، وقد كان الإمام مالك رضي اللّه عنه يقول : ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم ما نفع وعمل به صاحبه . وكان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : قال لي الإمام مالك رضي اللّه عنه يا محمد اجعل عملك دقيقا وعلمك ملحا ، وقد كان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : من حمل القرآن ثم مال بقلبه إلى الدنيا فقد اتخذ آيات اللّه هزوا ولعبا ، وإذا عصى حامل القرآن ربه ناداه القرآن من جوفه واللّه ما لهذا حملت أين مواعظي وزواجري وكل حرف مني يناديك ويقول لا تعص ربك ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه ، وقد بات عنده أبو عصمة ليلة من الليالي فوضع له الإمام أحمد ماء للوضوء ثم جاء قبل الفجر فوجده نائما والماء بحاله فأيقظه وقال له : لما جئت يا أبا عصمة ، فقال له : جئت